العمارة

تتميز البلدة القديمة في نابلس بسحرها وطابعها المعماري الخاص الذي تميزت به ، والذي اثري من الحضارات المختلفة التي تعاقبت عليها، مثل الحضارة الرومانية والبيزنطية والإسلامية والعثمانية وغيرها،حيث يبدو واضحا للعيان مدى حرص كل من هذه الحضارات على ترك بصماتها التراثية والمعمارية على مختلف معالم البلدة القديمة. ومن اهم أنماط البناء السائدة في البلدة القديمة حاليا، الطراز المعماري الإسلامي، وخاصة الطراز المملوكي الذي ما زالت بعض معالمه بارزة حتى يومنا هذا في عدد من البنايات والمساجد في البلدة القديمة، مثل النقوش المملوكية على البوابة الشمالية للمسجد الصلاحي الكبير، ومسجد الساطون، وبعض الأبنية السكنية التاريخية.

 

وتعد الحمامات التركية من أهم معالم التراث المعماري الخاص بالبلدة القديمة، وهي تتوزع على مختلف أحيائها وحاراتها، وما زال إثنان من أصل أحد عشر حماماً من حمامات البلدة القديمة يعملان حتى يومنا هذا، وهما : حمام الشفاء (الجديدة) وحمام الهنا (السمرا). ومع أن تسمية الحمامات العامة بالتركية ،جاءت نتيجة كون الطراز المعماري لبعض هذه الحمامات تركياً، الا ان الكثير من هذه الحمامات لم تبن خلال فترة حكم الدولة التركية العثمانية في فلسطين (1516-1918)، بل إن بعض الدارسين والباحثين ذهبوا إلى القول أن بعض هذه الحمامات بني خلال فترة حكم الإمبراطورية الرومانية. وتجدر الإشارة إلى أن البلدة القديمة تحتضن العدد الأكبر من مجموع الحمامات التركية في فلسطين والتي كان عددها 30 حماما فيما مضى.

وتضفي مساجد البلدة القديمة بمآذنها التاريخية، وقبابها الكبيرة، رونقا خاصا على البلدة القديمة بنابلس، والتي يعود تاريخ بنائه بعضها الى فترة الفتوحات الإسلامية مثل مسجد الساطون الذي يعود تاريخ بنائه الى فترة حكم الخليفة عمر بن الخطاب (634-644 م) والمسجد الصلاحي الكبير الذي سمي بهذا الاسم احتفالا بفتوحات القائد المسلم صلاح الدين الايوبي، ومسجد النصر الذي يتوسط البلدة القديمة ويتميز بقبته الخضراء الكبيرة وغيره من المساجد.

 وقامت قصور البلدة القديمة بدور حضاري مهم في تحديد معالم تاريخها الخاص بها واثرائه، وتعود معظم هذه القصور الى فترة حكم الدولة العثمانية ، التي دعمت وساندت أصحاب هذه القصور الذين ينحدرون من عائلات إقطاعية معروفة بثرائها ونفوذها، وعينتهم حكاما وولاة محليين لمنطقة نابلس وبعض مناطق فلسطين الأخرى. ومن أهم قصور البلدة القديمة قصر طوقان (بوابة البيك)، قصر آل عبد الهادي الواقع في الجزء الغربي من حارة القريون وقصر آل الأغا (النمر) الواقع في حارة الحبلة.

 وتزخر أزقة البلدة القديمة وشوارعها بعدد كبير من الحرف التقليدية القديمة والورش الصغيرة التي تعد جزءا أساسيا من نسيجها المعماري والاجتماعي، وتشمل عددا من المصانع ومحال بيع الحلاوة الطحينية والحلاوة والزلابية وطحينة السمسم، ومحلات تنجيد الفرش المنزلي وتبييض النحاس. وتتركز معظم هذه الورش على امتداد شريطين طوليين متوازيين من الشرق الى الغرب ويكتظان بمئات المحلات والدكاكين الأخرى مثل محلات الجزارة وبيع الخضار والفواكه والمخابز والمطاعم والبقالة والسمانة ومحلات بيع الحلويات. وإضافة الى ذلك فان البلدة القديمة تشتهر بوجود عدد كبير من الورش التي يديرها حرفيون مهرة، مثل محلات الحدادة والنجارة وصناعة الأحذية.      

 ويقدر عدد سكان البلدة القديمة بحوالي عشرين ألف نسمة يتوزعون على سبعة أحياء (حارات) رئيسية وعدد من الأحياء الفرعية هي الحبلة، الشيخ مسلم، القيسارية، الجوزة، القريون، الياسمينة وحارة الغرب. ويبدو جليا مدى حرص سكان نابلس الذين يقطنون خارج حدود البلدة القديمة على المساهمة في تنشيطها وإبقائها حية بشكل تلقائي، حيث يحرص هؤلاء السكان على زيارة البلدة القديمة والتسوق فيها خصوصا خلال شهر رمضان المبارك الذي يضفي طابعا خاصا على مفهوم التسوق في البلدة القديمة التي تغص محلاتها بمختلف أنواع المأكولات والمشروبات.

 لقد شهدت البلدة القديمة أسوأ ظروفها، خلال شهر ابريل 2002 عندما حاصرها الجيش الإسرائيلي واجتاحها بالدبابات والآليات المدرعة، مخلفا ما يربو على السبعين شهيدا معظمهم من المدنيين العزل، إضافة الى اعتقال المئات من أبناء البلدة القديمة بشكل عشوائي وزجهم في السجون الاسرائيلية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تبين بعد انسحاب الجيش الاسرائيلي من البلدة القديمة ان العديد من مواقعها التاريخية والأثرية قد تعرضت للهدم والتخريب جراء استخدام الجيش الاسرائيلي القذائف الصاروخية والعبوات الناسفة في هذه الأماكن في محاولة لطمس معالمها الحضارية وإرثها الثقافي وهويتها، ومثال على ذلك، صبانة كنعان التي تقع في أقصى الجزء الغربي من البلدة القديمة، والتي قامت قوات الاحتلال بهدمها هدما كاملا، إضافة الى عدد كبير من البيوت القديمة والمحلات التجارية التي تعرضت لعملية تخريب منهجي نجم عنها فقدان العديد من عائلات البلدة القديمة لمساكنها ومصادر رزقها.

 ومن اللافت للنظر ان البلدة القديمة في نابلس ومنذ تاريخ بنائها قبل أكثر من ألف وتسع مائة عام، ظلت مأهولة بالسكان والأسواق التجارية، بل يمكن القول أنها حافظت على مكانتها كمركز تجاري وسكني رئيسي ومزدهر على مستوى فلسطين بالرغم من فترات الاضطراب وعدم الاستقرار التي مرت بها، إلا أنها ظلت شاهدا حيا على الإرث الثقافي المتميز لمدينة نابلس.